ابراهيم الأبياري

295

الموسوعة القرآنية

ولضرب العرب الأمثال واستحضار العلماء النظائر شأن ليس بالخفىّ في إبراز خفيات الدقائق ، ورفع الأستار عن الحقائق ، تريك المتخيل في سورة المتحقق ، والمتوهم في معرض المتيقن ، والغائب كأنه مشاهد . وفي ضرب الأمثال تبكيت للخصم الشديد الخصومة ، وقمع لضرورة الجامع الأبى ، فإنه يؤثر في القلوب ما لا يؤثر وصف الشيء في نفسه ، ولذلك أكثر اللَّه تعالى في كتابه وفي سائر كتبه الأمثال . وأمثال القرآن قسمان : ظاهر مصرح به . وكامن لا ذكر للمثل فيه . فمن أمثلة الأول قوله تعالى : مَثَلُهُمْ كَمَثَلِ الَّذِي اسْتَوْقَدَ ناراً ضرب فيها للمنافقين مثلين : مثلا بالنار ، ومثلا بالمطر ، وعن ابن عباس قال : هذا مثل ضربه اللَّه للمنافقين ، كانوا يعتزّون بالإسلام فيناكحهم المسلمون ويوارثونهم ويقاسمونهم الفيء ، فلما ماتوا سلبهم اللَّه العزّ كما سلب صاحب النار ضوؤه وتركهم في ظلمات ، ويقول في عذاب : أَوْ كَصَيِّبٍ هو المطر ضرب مثله في القرآن فِيهِ ظُلُماتٌ يقول : ابتلاء وَرَعْدٌ وَبَرْقٌ تخويف يَكادُ الْبَرْقُ يَخْطَفُ أَبْصارَهُمْ يقول : يكاد محكم القرآن يدل على عورات المنافقين كُلَّما أَضاءَ لَهُمْ مَشَوْا فِيهِ يقول : كلما أصاب المنافقون في الإسلام عزّا اطمأنوا ، فإن أصاب الإسلام نكبة قاموا فأبوا ليرجعوا إلى الكفر . ومنها قوله تعالى : أَنْزَلَ مِنَ السَّماءِ ماءً فَسالَتْ أَوْدِيَةٌ بِقَدَرِها الآية . فهذا مثل ضربه اللَّه احتملت منه القلوب على قدر يقينها وشكها فَأَمَّا الزَّبَدُ فَيَذْهَبُ جُفاءً وهو الشك وَأَمَّا ما يَنْفَعُ النَّاسَ فَيَمْكُثُ فِي الْأَرْضِ وهو اليقين ، كما يجعل الحلى في النار فيؤخذ خالصة ويترك خبثه في النار ، كذلك يقيل اللَّه اليقين ويترك الشك . وقيل : هذا مثل ضربه اللَّه للمؤمن والكافر . وقيل : هذه ثلاثة أمثال ضربها اللَّه في مثل واحد ، يقول : كما اضمحل هذا الزبد فصار جفاء لا يتنفع به ولا ترجى بركته كذلك يضمحل الباطل عن أهله ،